محمد سعيد رمضان البوطي

252

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

فقتله » ، فرجعا إلى باذان بذلك ، فأسلم هو والأبناء الذين باليمن » « 29 » . وبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الحارث بن عمير الأزدي إلى عظيم بصرى من قبل الروم شرحبيل بن عمرو الغساني ، فأوثقه رباطا وقتله ، قالوا ولم يقتل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم رسول غيره « 30 » . وبعث صلّى اللّه عليه وسلم برسل وكتب أخرى كثيرة إلى كثير من الأمراء العرب المتفرقين في مختلف المناطق ، فأسلم منهم الكثير ، وعاند البعض منهم . وفي هذه الفترة أيضا تلاحقت الوفود تفد على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من مختلف الجهات تعلن إسلامها وتدخل في دين اللّه تعالى . وممن أسلم في هذه الفترة من كبار العرب وقادتهم : خالد بن الوليد وعمرو بن العاص » . روى ابن إسحاق ، عن عمرو بن العاص ، قال : « خرجت عامدا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فلقيت خالد بن الوليد ، وذلك قبل الفتح ، وهو مقبل من مكة . فقلت : أين تريد يا أبا سليمان ؟ قال : أذهب واللّه لأسلم ، فحتى متى ؟ ! قلت له : وما جئت إلا لأسلم ، فقدمنا جميعا ، فتقدم خالد فأسلم وبايع ، ثم دنوت فبايعته » . العبر والعظات : معالم المرحلة الجديدة : حديث هذه السرايا التي بعثها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم منتشرة في القبائل ، والكتب التي أرسلها إلى مختلف ملوك ورؤساء العالم ، جزء من المظاهر التي تميز هذه المرحلة من الدعوة في حياته عليه الصلاة والسلام ، عن المرحلة التي قبلها . لقد كانت المرحلة التي تسير فيها الدعوة من بدء الهجرة إلى صلح الحديبية ، مرحلة دفاعية كما قلنا ، إلى جانب القيام بمهام الدعوة السلمية . فلم يحدث خلال تلك المرحلة أن بدأ النبي صلّى اللّه عليه وسلم هجوما أو شن غزوة على فئة ما من الناس ، ولم يحدث أن أرسل سرية إلى قبيلة ما ليدعوهم إلى الإسلام ، فإن أبوا قاتلوهم عليه . فلما أبرم صلح الحديبية بين المشركين من قريش والمسلمين في المدينة ، واطمأنت أفئدة المسلمين واستراحوا من متاعب قريش ومناوشاتهم ، تفرغ النبي صلّى اللّه عليه وسلم للدخول في مرحلة جديدة

--> ( 29 ) خبر كتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى كسرى بهذا التفصيل من رواية ابن سعد في طبقاته وقد ذكر ذلك البخاري أيضا مختصرا ، وفيه : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم دعا عليهم - لما بلغه أنه مزق كتابه - أن يمزقوا كل ممزق ، وقد أسند الشيخ ناصر ، في تعليقاته على كتاب فقه السيرة للغزالي ، إلى ابن سعد ، زيادة على ما ذكرته ، لم أجدها في طبقاته ، وهي : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم رأى شواربهما ( أي الرجلين اللذين أرسلهما إليه باذان ) مفتولة وخدودهما محلوقة فأشاح عنهما وقال : ويحكما ، من أمر كما بهذا ؟ قالا : أمرنا ربنا : يعنيان كسرى . فهذه الزيادة ، لم أجدها في رواية سعد ، وإنما هي من رواية ابن جرير . ( 30 ) رواه الواقدي ، عن عمر بن الحكم ، قال ابن حجر : وذكره أيضا ابن شاهين من طريق محمد بن يزيد .